محمد بن علي الشوكاني

5155

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بسم الله الرحمن الرحيم إياك نعبد وإياك نستعين . أحمدك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، وأصلي وأسلم على رسولك وآله وصحبه . وبعد . . فإنه قد استدل القائلون بجواز الاستعانة من خالص أموال الرعية بأدلة منها : قوله سبحانه : { هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ( 1 ) وقد أجيب عن هذا الاستدلال بهذه الآية بالمنع من دلالتها على الوجوب ؛ لقوله في أولها : { هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم } فإن ذلك لا يستفاد منه إلا مجرد الندب ، وكذلك أن قوله في آخر الآية : { ذلك خير لكم } يدل أبلغ دلالة على عدم الوجوب ، وأجيب عن الأول بأنه - سبحانه - قرن ذلك بالإيمان وبالجهاد بالنفس ، وهما واجبان إجماعًا ، فيجب الجهاد بالمال كوجوبهما ، ورد هذا الجواب بأن دلالة الاقتران ( 2 ) ليست بحجة كما تقرر في الأصول ؛ لكثرة اقتران الواجب

--> ( 1 ) [ الصف : 10 - 11 ] . ( 2 ) أنكرها الجمهور فقالوا : القران في النظم لا يوجب القران في الحكم . وصورته : أن يدخل حرف الواو بين جملتين تامتين ، كل منهما مبتدأ وخبر ، أو فعل وفاعل ، بلفظ يقتضي الوجوب في الجميع أو العموم في الجميع ، ولا مشاركة بينهما في العلة ، ولم يدل دليل على التسوية بينهما . واحتج المثبتون لها بأن العطف يقتضي المشاركة ، وأجاب الجمهور بأن الشركة إنما تكون في المتعاطفات الناقصة المحتاجة إلى ما تتم به ، فإذا تمت بنفسها فلا مشاركة كما في قوله تعالى : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ } [ الفتح : 29 ] ، فإن الجملة الثابتة معطوفة على الأول ولا تشاركها في الرسالة ، ونحو ذلك في القرآن والسنة كثير ، والأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه ولا يشاركه غيره فيه ، فمن ادعى خلاف هذا في بعض المواضع فلدليل خارجي . انظر تفصيل ذلك في " إرشاد الفحول " ( ص 810 - 812 ) ، " البحر المحيط " ( 6 / 100 - 103 ) ، " التبصرة " ( ص 230 ) .